الشيخ محمد النهاوندي

25

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أنقض لقوله ، وأفسد لأمره ، وأضرّ عليه وعلى أصحابه ، مع أنّ الكلام سيّد عملهم وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الفكر والجدّ في الأمر الغامض المشكل ، فكيف بالسّهل الجليل المنفعة والعظيم الفائدة ! روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقرأ عليه القرآن ، فكأنّه رقّ له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه ، فقال : يا عمّ ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لأن لا تأتي « 1 » محمّدا ، ولتعرض لما قاله « 2 » . قال : قد علمت قريش أنّي من أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنّك كاره له . قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّي ، ولا برجزه ، ولا بقصيده ، ولا بأشعار الجنّ ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، وو اللّه إنّ لقوله الذي يقوله حلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة « 3 » ، وإنّه لمثمر أعلاه ، معذق « 4 » أسفله ، وإنّه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنّه ليحطم ما تحته . قال : لا يرضى عنك قومك حتّى تقول فيه . قال : فدعني حتّى أفكّر . فلمّا فكّر قال : هذا « 5 » سحر يؤثر ، يأثره عن غيره « 6 » . روي أنّ قوله عزّ وجلّ في أوّل حم السجدة إلى قوله : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ « 7 » نزل في شيبة وعتبة ابني ربيعة ، وأبي سفيان بن حرب ، وأبي جهل ، وذكر أنّهم بعثواهم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة بن ربيعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ليكلّمه ، وكان حسن الحديث ، عجيب الشأن ، بليغ الكلام ، وأرادوا أن يأتيهم بما عنده . فقرأ النبيّ صلوات اللّه وسلامه عليه سورة حم السجدة من أوّلها حتّى انتهى إلى قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ « 8 » فوثب مخافة العذاب ، فاستحكوه ما سمع ، فذكر أنّه لم يسمع منه كلمة واحدة ، ولا اهتدى لجوابه « 9 » . ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرّدّ . قال عثمان بن مظعون : واللّه ، لعلموا أنّه من عند اللّه إذ لم يهتدوا لجوابه « 10 » . وروي أنّ جبير بن مطعم ورد على النبي صلّى اللّه عليه وآله في حليف له أراد أن يفاديه ، فدخل والنبيّ صلوات

--> ( 1 ) . في الاتقان وحياة الصحابة : فإنك أتيت . ( 2 ) . في الاتقان وحياة الصحابة : لما قبله . ( 3 ) . الطّلاوة : الحسن والرّونق . ( 4 ) . في الاتقان وحياة الصحابة : مغدق . ( 5 ) . في حياة الصحابة : إن هذا إلّا . ( 6 ) . الاتقان في علوم القرآن 4 : 5 ، حياة الصحابة 1 : 63 . ( 7 ) . فصلت : 41 / 4 . ( 8 ) . فصلت : 41 / 13 . ( 9 ) . الدر المنثور 7 : 309 . ( 10 ) . في النسخة : بجوابه ، وكذا في المورد المتقدّم .